شقيقي 72
اكتشفتُني متأخرا
.
.

هناك أزمة شعراء (حوار)

من حسن حظ الفاعلين الثقافيين الذين برزت كتاباتهم أو تصريفاتهم الإبداعية، كائنة ما كانت، على أعتاب الألفية الجديدة، والذين سنشير لهم ضمن هذه السلسلة من الحوارات اختصاراً بـ"الألفينيين"، أن لا أحد ينقدهم. لقد جنبتهم ظروف الولادة الإبداعية ضمن اللحظة الزمنية هذه، عنف السؤال النقدي.. الجاد والمشاغب. فالعمارة النقدية التي نعرف أنها جاورت باستمرار عمارة النص الأدبي ضمن خارطة الإبداع السبعينية والثمانينية، رفعت من رفعت أو أودت في الحضيض، هي الآن على أدراج الألفينات في أشد حالاتها بؤساً. هذا إن لم تنته بعدُ إلى حجر في الصلصال أو تستحل قاعاً صفصفاً. وهو الأمر الذي ترك الألفينيين، فرادى في المغامرة. بلا ظهير تقريباً، وإلى حدٍّ ما بلا معركة.

لكن لئن انتهى السؤال النقدي فإن السؤال الصحافي لم ينتهِ بعد. هذا ما نؤمن به في "الوقت"، الأمر الذي كان دافعنا إلى أن نقترح هذه الحوارية مع الجيل الألفيني. في هذه السلسلة من الحوارات نحاول أن نعوض غياب موقع الناقد بلبس عباءة "الشيطان" أو لعب دوره. نحاور الألفينيين واحداً واحداً، شعراء أولاً، وسرّاد ثانياً. ونرى لاحقاً إمكانية تمديد زاوية النظر باتجاه حقول الإبداع الأخرى. نسأل الأسئلة المشاغبة، وأحياناً الوقحة، إضافة إلى تلك التي تقال من وراء "الظهور". إنما من غير أن نتبنى. لا نقول إن هذه هي معركة الألفينيين ولكنها فسحتهم للتعبير عن أنفسهم خارج مختبر العمل المبدع، وشروطه. وحتى مهاجمة الصحافيين، إن شاءوا ذلك. مرحباً بكم.

 

الوقت - حسين مرهون

حتى مطلع الألفية الجديدة كان أحمد الستراوي واحداً من مناوئي القصيدة الحديثة بسبب استعصائها ووجودها الغامض الملغز. وقد عبر عن هذا الرأي غير مرة في حضور بعض رفاقه الذين يشكل وإياهم خارطة جيل الألفينات. لكنه الآن، فيما الألفينات تتصرّم على عجل، صار يكتب القصيدة الحديثة ويجد المتعة في تركيب العبارات الغامضة والملغزة. وفي إحدى المرات راح يعرض في حلقات على منتدىً إنترنتي أحد الكتب التي تناقش قضية الغموض في الشعر، موظفاً سلطة المعرفة في إلجام أسئلة الزوار التي  ظهرت عدائية حيال الحداثة.

صار واحداً من أهل "الكار". وصار المتلقي هو من عليه أن يتغير. قال "خرجنا من دوامة ما يطلبه المستمعون" معبراً عن رؤيته الجديدة. لكن ليست رؤيته إلى القصيدة الحديثة وحدها التي تحولت. فخلال هذه السنوات، خبر مثل عدد من شخصيات جيله، رحلة الانتقال من التجربة الدينية، والإسلام السياسي، إلى تيار الحياة الثقافية العريض. صار الآن حداثياً كاملاً. "الوقت" حاورته وفيما يلي مقتطفات.
 

·                                لماذا تبدو القصيدة الحديثة وكأنها لا تريد أن تقول أي شيء؟.

أطلقت سؤالك بأداة التشبيه "كأنها" وفي حقيقة الأمر القصيدة الحديثة "تقول شيء" لا كما تصورت أنت أو غيرك من أنها "لا تريد أن تقول شيء"، وهنا يجب أن ندخل حِرَفيّاً على "ماذا تقول" ولا بد لنا أن نطرح سؤالاً في غاية الأهمية، حتى نتمكن من الوصول إلى مسألة "ماذا تقول" وهو "كيف تُقرأ القصيدة الحديثة؟" فإن كان المتلقي يذهب الذهاب الجاهز دون أدنى جهد لسبر قليل من أغوارها فحتما هذه القراءة يعود بها حافي القدمين، فما عادت القصيدة اليوم قالباً جاهزاً ولا بياناً يصدر فتاواه مباشرة لمتلقيها، ولأنها قصيدة فالاشتغال على ثيمة اللغة هي الهم الأكبر لدى الشاعر، لذلك يتوجب على القارئ أن يشتغل في حقل القراءة بما تيسر له لا أن يبحث عن الجاهزية في النصوص. هذا أمر وأمر آخر هي المفارقة ما بين النصوص القديمة أو كما يعبر عنها بالكلاسيكية والنصوص الحديثة وموضوعاتها. إذا سبرنا أغوار هذه الأسئلة وغيرها من باب مظاهر الإبهام وآليات التأويل وغيرها يمكننا أن نقرأ القصيدة الحديثة بجمال آخر وبعيون أخرى. والمسألة الأخرى هي هل ما زالت القصيدة الحديثة قادرة على إثارة الدهشة لدى المتلقي؟ أتوقع أن هناك أسئلة أخرى يجب أن نبحث عن إجابات لها بشكل موضوعي عن القصيدة الحديثة.
 

·                                     عزوف المتلقي عن تجربة الشعر الحديث، ألا يستوجب من الشاعر إدخال هذا المعطى ضمن دائرة الأسئلة التي ينبغي أن يشتغل عليها بأقل قدر من الغرور؟.

هذه حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها وقد بدأ بها أبو تمام حين سئل "لم لا تقول ما يُفهم" وهنا يتضح لنا أن خللا ما دخل إما على الشاعر أو المتلقي أو النص وأعتقد أن مسألة الغموض لها الحظ الأوفر لعزوف المتلقين للشعر الحديث ومن ثم يأتي دور الشاعر الذي يرى في الغموض سمة إيجابية فيكثر من توليدها على حساب النص لتضيع بذلك الدلالة، والنتيجة؟...  لا جنحة على المتلقي لو عزف عن نص بهذا الشكل، ولكنني معتقد تماما من أننا خرجنا من دوامة ما "يطلبه المستمعون" منذ زمن وكما أنه لا يمكننا أن نطلق نصاً دون وجود للمتلقي أيضاً لا يمكننا أن نطلق نصاً تغلب عليه سمة الغموض كما لو كان يدور في فلك خارج رحم هذا الكون، ولا يمكننا أن نطلق نصاً وفقاً لميلان المتلقي الذي يجلس على كرسي من العاج ولا يعاني لحظات الكتابة كما يعانيها الشاعر. فالمتلقي بداية يعيد من خلال قراءته إنتاج النص الأول. والغموض الذي يدخل ضمن دائرة الأحاجي والألغاز والحذلقة يكون مستقبحا وهنا يلغي الشاعر دور المتلقي. هناك مشكلة حقيقة من طرفين أساسيين فالأول الشاعر الذي يكتب ما لا يزيد عن كونه خرفاً وعبثاً والثاني المتلقي الذي لم يصعد درجات أخرى ليرى أبعد مما درسه في المناهج المدرسية عن الشعر.
 

·                                       برأيك، هل الشعر اليوم في أزمة، ما يستدعي مشروعية من نوع معين لتثمير مفهوم مثل "موت الشعر" أو سؤال من قبيل "ما جدواه"؟.

ربما تكون هناك أزمة شعراء لا أزمة شعر، فمن يمتلك مقداراً من المال للطباعة فقد حصل على لقب شاعر، في حين أن هذا اللقب ليس تشريفياً بقدر ما هو لقب مسؤل عنه. وحقيقة لا أمتلك حساسية مفرطة تجاه هذا القول، فلو كان زماننا هو زمان المتنبي وامرؤ القيس لكان الأمر مختلف ولكن ونحن الآن في الألفية الثانية ومسألة تعدد الأجناس وتداخلها مع بعضها البعض طافحة على السطح فهذا الأمر لم يعد ذا أهمية بالنسبة لي. صحيح أنا أتوجس من أن يأتي جيل لاحق لا يجد متنفساً في الشعر إلا تاريخاً لا يصلح للحديث عنه بشكل أو بآخر وليس من قبيل موت الشاعر. وفعلاً أصبح هذا السؤال مؤرقاً للغاية لدرجة أنه يخلق في مخيلة الأجيال اللاحقة لنا عدم جدوى الشعر ومن ثم موت اللغة. أتصور أن الشعر يبقى وإن حلّقت حوله هذه الأسئلة.
 

·                               في الستينات، وضمن سياق التفكير في المآلات، تنبأت نازك الملائكة بالعودة إلى العمود الشعري بعد أن استتب الأمر لقصيدة التفعيلة وأصبحت شكلاً قاراً معترفاً به. وهاهو أدونيس يعود مؤخراً ويتنبأ أيضاً بالعودة إلى العمود الشعري بعد أن استتب الأمر لقصيدة النثر وأصبحت شكلاً قاراً هي الأخرى ومعترفاً به. هل يمكن أن نشهد عودتك، وجيلك، إلى كتابة قصيدة العمود؟ تتركون الشعر الملغز الغامض الذي لا يقول أي شيء؟.

لماذا تصر بأن جيل الألفين لا يقول شيء، ولو كان كما تقول فلماذا تتعب نفسك في تتبع آليات اشتغاله في القصيدة الحديثة، ألا يجدر بك العزوف عمن لا يقول شيء. أعتقد إن جيلي له بصمة واضحة في الحركة الشعرية البحرينية الحالية، وقد شهدت له المحافل داخل البحرين وخارجها. ألا يشكل هذا الجيل مرحلة من مراحل الحركة الثقافية؟ أما بالنسبة لمسألة تنبأ نازك وأدونيس أعتقد أن العجلة لا تسير للوراء فالأجيال القادمة لن تعترف بالأشكال ورسومها وكل شكل يحتاج لمناصرين حتى يقر له قرار وأعتقد أن هذه المسالة تطول طالما أن الأشكال لم تنته.

 

·          في رصيدك، حسبما هو مذكور في موسوعة ويكيبيديا، 5 مخطوطات شعرية صدرت منها واحدة وتصدر أخرى خلال الأسابيع المقبلة. وأيضاً مسرحية ورواية. لماذا تبدو متعجلاً... أليس هذا كثيراً؟.

يكون كلامك وتقيمك صحيحاً لو كانت كل هذه الكتابات كتبت في فترة زمنية تقدر بشهر أو أقل ولكن هذه المجموعات كتبت خلال ما يقارب الثماني سنوات وهي فترة زمنية كفيلة بأن يكون لدى أي كاتب مقدار جيداً من الإصدارات. ولا أرى كما تقول من أنني متعجل بل على العكس أنا متأخر قبال هذه المجموعات التي رزحت في الرف ثماني سنين. ولو نظرنا للكم الهائل من الشعراء في البلد والكم القليل جداً من الإصدارات سنوياً ندرك ذلك جلياً.
 

·                                 كيف تصف تلقي ديوانك الأول "قميص منذور للوقت" من جانب المهتمين في الوسط الثقافي؟.

ما أستطيع القول هنا أن المجموعة الأولى ليست مقياس في حد ذاته نجره على التجربة، ربما هناك من اهتم بشكل أو بآخر وهناك من تمر عليه تجارب الجيل الألفيني عامة مرور الكرام وكأن شيئا لم يكن ولكن إلى حد ما يمكنني القول أن المجموعة أخذت حظها الجيد من بين الحظوظ. وشيء آخر مهم جداً وهو أن هذه المجموعة طبعت بالتعاون مع جريدة أخبار الخليج مما يعني أن انتشارها يكون على حسابنا الخاص وهذا ما سعيت له فقد وصلت المجموعة للعديد من المهتمين داخل البحرين وخارجها، أما إن كنت تقصد المهتمين من النقاد فهذه مشكلة بحد ذاتها نعاني منها جيلنا وبصراحة تامة لم يحضَ أحد من جيلنا باهتمام كما يجب.
 

·                                    ما نوع القصيدة التي تكتبها... ما اسمها؟.

سمها ما شئت ولستُ أقترح مسمى لها.

 

·                                 هل الإلغاز في كتاباتك مرده إلى موقف يتعلق برؤية إلى القصيدة الحديثة أم ماذا؟.

لماذا تصر دائما على أن ما يكتب هو من قبيل الألغاز؟!، ولماذا يكون الشعر كبش الفداء دائما؟! لا أعتقد أن من آليات القصيدة الحديثة الإلغاز. بالنسبة لي لا أمتلك رؤية واضحة بالنسبة للكتابة فهي هدم وبناء في آن واحد، يختلط عليك الأول لتُقيم الثاني وربما هذه الرؤية صالحة في الوقت الحالي ولكنها حتما ستتبدل كلما تطورت آليات الكتابة. 
 

·                                هل تعيد إنتاج وتطوير المفاهيم التي ترتكز عليها تجربتك أم أنك وصلت إلى رؤية نهائية قارّة بشأنها؟.

لا يوجد شيء ثابت حتى أقر أن رؤيتي وصلت إلى نهايتها، ولو افترضت معك هذا الافتراض فلماذا أكتب بعد أول مجموعة صدرت طالما أقر بالرؤية النهائية. الكتابة في حد ذاتها متجددة ومتغيرة في كل مرحلة من مراحل الحياة وبطبيعة الحال لا تبقى المفاهيم هي ذاتها التي أرتكز عليها وإلا لارتكبت أكبر حماقة في حق الكتابة وهي التوقف في نقطة معينة لينتج عن ذلك قتل الإبداع، والتوقف عند نقطة معينة مذموم في حال الكتابة، أليس كذلك؟

 

·                                بناء على ذلك، هل يمكن أن نجد في ديوانك المقبل "خديجة" حساسية شعرية مغايرة لتلك التي جاء عليها ديوانك الأول أو، مؤشراً على شعرية مفارقة؟.

ربما يكون هناك فارق بسيط سيما وأن مجموعة "خديجة" كتبت قبل "قميص منذور بالوقت" ولكن حظ الخروج للنور كان من نصيب "قميص منذور بالوقت" وأعتقد أن هناك ثمة مغايرة وهذا ما سيحسمه المتلقي لمجموعة "خديجة". فالكتابة في "خديجة" ليست بديلاً عن الموت أو الرغبة في الخلاص ولكنها كتابة من أجل الكتابة وهذا اكتشاف إنساني جميل وعظيم عرفته البشرية عامة. فالكتابة وحدها قادرة على منحنا الإحساس بذواتنا.
 

·                                  في حوار سابق معك، قلت "لا أعلم صوتاً ليس لي خرج مني" في حين كل الدلائل تشير إلى تأثرك بعلي الجلاوي. بصراحة، لم الإنكار؟. وما الذي أضافته شعرية الجلاوي إلى تجربتك؟.

لا أنكر هذا التأثر وليس نقصاً في التجربة إن هي تأثرت بتجربة أخرى، سيما وأنا مطلع على تجربة الشاعر علي الجلاوي منذ صدور أول ديوان له، ولو بحثتَ لوجدتَ أن الشاعر علي الجلاوي في بداية تجربته متأثر بغيره ومن ثم اتضحت ملامح تجربته لتأخذ منحى خاص يشتغل عليه هو. ونقطة مهمة جداً لا يوجد شاعر لم يتأثر بشاعر، وقس على ذلك كل الشعراء ليس في جيلي وحسب ولا أستثني أحداً. ولكن هناك مفارقة كبيرة بين تجربتي الحالية وتجربتي السابقة المتأثرة منه أو من غيره من الشعراء مما يعني أن تجربتي بدأت تتشكل بمنحى مغاير لما عليه تجربة الجلاوي. وإن شئتَ قلتُ لك أن الجيل الألفيني تجاربهم متقاربة إلى حد كبير جداً لأنهم ينهلون من ذات المنبع مما يصعب على المتلقي لأي نص أن يحيله إلى كاتبه الأصلي وهذا ما حصل عندما طُرح نص على طاولة النقاش ذات أمسية جمعتني ببعض الشعراء فتشتت الآراء حول النص من أنه يكون للستراوي أو الجلاوي أو فخر أو مهدي سلمان أو وضحى. وأنا ذكرت هنا هذه الأسماء لأنها تعمل في ذات الشكل الكتابي ويسعفني هنا مقولة محمود درويش "من منا لم يتأثر بنزار" فالتأثر ليس عيباً وليس استنساخاً لتجربة سابقة بقدر ما هو - إن صح التعبير- رافد من الروافد الكثيرة في صياغة نمط معين في الكتابة يمكن الخروج منه حين تكتمل التجربة لتتجه إلى ملامح خاصة بالشاعر.
 

·                                  يقوم تكنيك الكتابة لديك على اللعب الحر على الدوال وعلى التجريب في معجم اللغة. وفي حين أن ذلك يعد ملمحاً من ملامح القصيدة الحديثة منذ "السوريالية" إلا أن حضوره في تجربتك - حسبما يرى البعض - قد عمل لغير صالحك؛ إذ أصبح عندنا شعر لكن من دون شعرية. ما رأيك؟.

أتفق أو أختلف هذه ليست مشكلة ولكن مشكلتكم أنتم الصحفيون أنكم تدلون بدلاء خالية دائماً وحين يتم سؤالكم عن هذا البعض الذي تتخذونه مصدراً مهماً تقولون إن هذه مصادرنا الخاصة وحقيقة لا أدري مدى صحة هذا القول ومن أين أتى، فهل هذا البعض كما تصفه من المهتمين بقضايا الشعر أم أنه من القاعدين عنه، ولا أعتقد أنه يكون من القاعدين عنه، فإن كان كذلك فأين هو ولماذا لم يطفح على السطح ولماذا لا نسمعه فنحن لا نقتل من ينتقدنا. فهل الشعر ثابت فيزيائياً  وله ملامح خاصة لا تتغير وأنا اتجهت بكتابتي بعيداً كلياً عن هذه الملامح. أو أنني ابتدعت ما لا يعقل في الكتابة وخرجت عن مناطقه حتى قال هذا البعض. ألا ترى معي أنك تقول في بداية السؤال " يعد ملمحاً من ملامح القصيدة الحديثة" وفي النهاية تقول "أصبح عندنا شعر لكن من دون شعرية".

 

·                               برأيك، هل طور الألفينيون، وأنت أحدهم – بناء على أن أول مجموعاتك صدرت في الألفينية – أسئلة خاصة بهم، بزمنهم والأشياء من حولهم؟.

لا توجد هناك أسئلة خاصة وأسئلة عامة وكأنك تريد أن تفصلنا عن الأجيال السابقة، الفرق يكمن في أن الأجيال السابقة اشتغلوا على الأشكال أكثر من اشتغالهم على اللغة فيما اعتقادي أن الجيل الألفيني اشتغل على اللغة بعيدا عن الأشكال فالشكل مقترح وليس الجوهر.

 

·                               كيف ترد على من يرى أن أسئلة الألفينيين ما هي إلا استعادة لأسئلة الطور الأول من تجارب السبعينيين والثمانينيين، في موقفهم من النص واللغة الواقع. الأمر الذي يعني أنكم لا تستفيدون من الأخطاء وتعيدون اختراع العجلة مرة بعد مرة؟.

لا أدري لماذا يصر الصحفيون على هذا السؤال كلما فتحوا تحقيقاً عن الجيل الألفيني وكأن هذا الجيل فاقد لهويته أو متخبط في ممشاه الأدبي والمعرفي، حتى يأخذ عمن سبقه. علماً بأن هذا السؤال طرح على الأجيال السابقة لنا وهكذا دواليك، وأرى أن الجيل الألفيني أوسع إدراكاً من سابقيه وقد استفاد من أخطاء الأجيال السابقة وليس كما تقول فهو أسس له مساراً خاصاً به فلم يعد هناك مساحة بالأيديولوجية في نصوصه وهو يدرك تماماً أن كل الأيديولوجيات قد سقطت وبقت الإنسانية التي لها فضاء أرحب من ضيق أفق أي أيديولوجية هنا أو هناك. وجيل الألفين يتعامل على هذا الأساس فهل هناك من يتخلى عن إنسانيته حتى يصطدم بحواجز تعيقه؟! لا أعتقد أن الجيل الألفيني فقـَد هذا المنحى. ودليل آخر أنه استطاع أن يقتحم كل التابوهات التي تحذرت منها الأجيال السابقة، وملاحظة هامة هي أن الجيل السبعين واللاحق له قد اصطبغت نتاجاتهم بصبغة الخطابية أو التعبوية وكأنها بيانات وذلك أمر طبيعي لما كانت عليه الفترة. أما الجيل الألفيني بحسب تقديري فلم تعد تشغله هذه البيانات فهو متجه صوب اللغة والصورة والبحث عما يدهش المتلقي، وهو في حال الكتابة دائم الاشتغال على هذه الإلتماعات والثيمات. وأعتقد أن أكثر هذه الثيمات تأتي على شكل أسئلة تحتاج للبحث عن إجابات وليس مهمة الشاعر أن يوجد الحل فهو ليس مصلح إنما هو ينبش ما تحت الركام.
 

·                               أيضاً، هل توافق على أن مرجعيات الألفينيين محلية في الغالب، وأتت من تجارب مجايلة. بمعنى أنكم تأثرتم من بعضكم البعض بأكثر مما تأثرتم من قراءة أدونيس أو محمود درويش أو أنسي الحاج أو أو أو؟.

مسألة الأبوة التي يريد الكل أن يقيدنا بها ما هي إلا نتاج سلطة لم يستطع الكبار الفكاك منها ليحيلوها علينا، ربما يكون كلامك صحيح إلى حد ما ولكن أن يوصف الجيل برمته بهذه الصورة فهذا من الإجحاف في حق هذا الجيل وكأننا أدوات مستنسخة، لا تملك من هويتها إلا الاقتتال على فـُتاتها، ودعني أسعف نفسي بمثال بسيط أجد له وقع هنا، فالنار القريبة يكون التأثر بها أكثر من النار التي تبعد كل هذه المسافات وكما أن هناك في الجيل الألفيني من تأثر بالداخل أيضاً يوجد من هو متأثر بالخارج ومسألة التأثر مسألة طبيعية طالما هناك قراءات للجيل على حد سواء بالداخل أو الخارج والتأثر يأتي كلما تقاطع في الصورة مع شاعر من ذات الجيل أو من جيل سابق.

 

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.