أجرته الشاعرة/ وضحى المسجن " لم يخبروني عن صوت خرج مني ليس لي " 1_ في إطار سكيولوجية المؤلف، ماحجم الغُربة التي أخذت الستراوي للشعر؟
لم أتعلم هندسة نفسي، ولم أرجع ذلك الطفل الذي يؤذي عصافيره على الشجرة قبل أن يدخل صفه المدرسي، كنت أصغرهم فكادوا لي، كان نفَسَي أكثر مني جرأة وكانت حقيبتي المدرسية- التي قد تشعر بذات الغربة، ولا أعرف ما سبب ذلك- قد أسقطت القليل من لونها على بنطالي القطني الذي تتدلى خيوطه... كل شيء كان غربة جميلة، وكل شيء حاضر دون غربته، أحب غربتي كما تعرفها أناي وإن فرضت قيودا لست بقدرها ليتسع أفق المغامرة، أما عن تركيبة الشاعر النفسية، قد لا أكون صالحاً لشغل منصب محلل نفساني، بقدر ما أحمل من تبريرات لفعل الكتابة عندي، وهو ما يحمله غيري أيضاً، ولكن لا أعتقد أنه سيكون آية، آية أشعر بعدها أني انتهيت من الإجابة، وأدركت الحقيقة العظمى، هل قلت عظمى، هل هناك حقيقة عظمى، عموماً لا أعرف الكثير عن نفسي، فسلي من يعرف. 2_ بين التقنية و بلاغة العفوية، ما تصورك للقصيدة؟
دائما ما أترك مكاناً لي خلفي ربما أتساقط مني فيجدني آخر، وقد أحضر في موعدي لأمارس قتلي الذي أحبه أو أجيده، أنا الآن على موعد مع اللغة بمكان سوى لاختيار صعب بين قبلتين أجاهد أكثر من ذي قبل. فهل أختار؟... ذلك ما لم أتورط بالإجابة عليه، ولكن لا مسوغ لوجود أحدهما دون الآخر وإلا لكان معطفي مُتكلف فيه مفتقدا الصوت الحسي الذي يثيرهم من الداخل، وبهذا لن أستطيع أن أمارس حرية الإنعطاف على ذاتي ، وهي تدخل ضمن سياق البديهية التي قد تضمن الاحتواء على الإدهاش والمفاجأة، ولكن أي عفوية وأي تقنية، وهل هي تتنافى، فنقول من يكتب بعفوية لا تلامسه ثياب التقنية، أو من ينام مع التقنية لا تحبل به العفوية، لست متأكداً من حزني عليك، لكني أدرك جيداً أني قرأت السؤال بقلب أخف من ذي قبل. 3_برأيك ما تمثلات الكتابة كفعل مضاد بالنسبة للشعراء؟
قال لي النفري ذات مساء وأنا أشكِّل الجمال على رفوف مخيلتي "إذا اتسعت الفكرة ضاقت العبارة" متيقن أن اللغة كائن حي يسكن أحياء الموتى الجميلين، ويمتاز باختيار أجمل الموتى في حضرته لاشعال ما فيه بهم، كائن حي بصفات وملكات ملائكية متسلط على وظيفة الحواس، وما التمثلات كفعل مضاد كما أسلفت إلا ثمن دون مقابل لجرأة الذات على الاستعارة وعلى الوجود بثابته ومتغيره، ليأخذ كأسا خفيفا مع التناقض والتضارب في آن، فهو سالب موجب وحقيقي خرافي، الكائن الحي يتقن أثره الجمالي لقدح الموجودات بالمفردة التي هي الجمالي، ودعيني أخبرك شيئاً صغيراً كخيط أمي على ضريح أحد النبلاء، هل يوجد ما يجب أن أدركه في السؤال، ليكون لي رد يفرشه مسار الحديث الرائع؟ 4_ يجمعك و الشعراء الشباب في البحرين (حسين فخر، علي الجلاوي، فاطمة محسن، مهدي سلمان) ذات الجنس الشعري (التفعيلة) ما رؤيتك لهذا الاتجاه، ألا تجد في ذلك تماثلاً للحس الفني بالشكل الذي يجعل لغة الشعر قائمة فوق الخصوصيات ؟
الشعراء العرب تجمعهم الصحراء والبادية واللغة العربية وأشياءهم الصغيرة، والشعراء في العالم تجمعهم انسانيتهم وسماءهم التي تقدم قهوتهم وأرضهم التي تحتمل خطاياهم، فهل تناسلوا من بعض؟ لا أعرف ما هي الإجابة ولست أقترح أن يجيب أحد عن ذلك، في حين أني لست مسؤولا عن فرز طبقات الصوت في قصيدتي وتحديد أيها يصلح للسعال وأيها يصلح لكتابٍ غنائي، إلا أنني كنت أحس بعصفور يسكن حنجرتي، هل كان هذا العصفور يشبه عصفور جيراننا، لا علم لي بذلك، لكنني أحببت الماء كما أحبت جارتي السمراء ذات الماء، كنت أجد المتنبي في درويش، وكنت أجد ابن عربي في أُنسي، ووجدت العرب كتبت العمودية كشكل، ثم كتبت الموشحات ككسر لصنمية الشكل الذي أصبح سلطة، ثم وجدت السياب ونازك استفادوا من هذا الكم مع الثقافة الأخرى فنتج شكل جديد، هذه الأشكال مقترحات وليست الجوهر، فعندما سبقني امرئ القيس للعمود لم يسبقني لكتابة نفسي، فهو حاول كتابة نفسه، وحاولت كتابة نفسي، وليس ذنبي أن أكون قد ارتديت نفس لون القميص. 5_قصيدة الحداثة "قصيدة سياحية بكل معنى الكلمة، فلا هي تعرف جغرافية الوطن و لا تاريخه" هكذا يراها القباني، فما رؤيتك لهذه القصيدة وهذا القول؟
الحقائب التي تركتها في مطار الذاكرة لم أحدد ألوانها ولم أعطها مسميات لكنني أعرف أنها حقائبي، فمن خيط والدتي الأخضر على مقبضها ومن رائحة الطفولة التي ترفدني للآن، ومن ذاكرتي، ومن جغرافية المفردة العربية ومقاساتها، فهل كان يسميها القباني قصيدة سياحة؟ هل هي قصيدة الحداثة؟ وأي حداثة؟ وهي حداثات... كلما جاءت حداثة لعنت أختها، أنا أكتب أناي... فهل هي حداثوية أو تفعيلية أو كلاسيكية أو عمودية... ما أنا على يقين منه أنني الستراوي... هذا الطفل الذي تنزلق قدماه معجونة برائحة الرمل ممزوجا بالمطر. يتقافز بين حواري المنامة القديمة التي هجرها أهلها فخرجت عن بِكرة خصرها علها تحضى بنظرة منهم، هذا الطفل الذي كتب الغربة التي يعيشها ويفهمها، كتب أحزانه وشيئا من افراحه، نزار قال ما يريد، فهل أتفق معه أم لا، وهل مقولته صالحة للإستعمال الآن؟ لست مهتماً كثيراً بذلك. 6_ يقول أدونيس" ليس لي جمهوراً و لا أريد جمهوراً" هل تلتفت لإشكالية التلقي التي قد يخلقها إبهام الدلالة أم تجد في الشعر استقلالأ ذاتياً بعيداً عن أي ارتباط خارجي؟
الزوايا التي يخرج منها مذبحي أعرفها وأستشعرها، ولو شئت لقلتُ هي حورية تتقافز تغنجاً، تعطفني عليّ وِردا وأعطفني عليها صلاة، أو هي شمس رابعة النهار أراها كما يراها الآخرون، والذين خرجوا معي للبحر لم تتهالك قواهم بعد... هم بريؤون من دم يوسف، طاولتي الصغيرة في غرفة المكتبة، التي تطاير عليها نثار سجائري، لم تفكر بجمهور سيعرفها. حين وجدت التفاحة في يدي لمست خطيئتي، ولم أبحث عن آخرين ليعلموني بذلك، كانت خطيئتي أنا، ولم أدعو لها، لقد كتبت أخطائي، ولست أجمع حولي مريدين وإن كان ذلك جميلا، فحين ينتابني شبق الكتابة لا أفكر في شيء سواها. 7_ خطوة النشر الورقي قد تشكل صورة للتجربة الشعرية بشكل أفضل، حدثني عن ذلك خصوصاً أن لديك خمس مخطوطات شعرية، ألا تعتقد أن طول المساحة بين زمن الكتابة وزمن النشر قد يجعل مصير تجاربك السابقة مجرد أوليات، خصوصاً أن النشر المتأخر سيلغي اغلب مراحل تجربتك؟
لا أرتكب خطيئة لا تغتفر أو تستوجب الكتمان حتى لا تكون أوليات، هناك مقاصل تفرضها صلاة أخرى لسلطان القرار منحتني أن أعتكف جنب أدراجي التي أكدس فيها أوراقي وأتكدس فيها، وأظن أنك وغيرك شرب من ذات الكأس، وحتى كبيرهم الذي علمهم الشعر، مازال يحاول كتابة شعره، وكل تجاربه أوليات لمقترح جديد. 8_ تكتب قصيدة النثر و لكنها تظل مغيبه خلف المُعلن من القصائد و التي تُلقيها في الأمسيات، هل تعد كتابتك لهذا النوع ضمن نطاق التجريب بعيداً عن مشروعك الشعري ؟
أحْسنُ كتابتي، وما الأجناس الداخلة ضمنها إلا ذاتها، وفي الوقت نفسه متعددة هي الأجناس التي فرضتُ عليها الإقامة الجبرية، لا أعلم كم من الوقت يلزم أدراجي حتى يتمخض رحمها للإعلان. لو كنتُ أعلم الغيب لاستكثرتُ من الإجابة. 9_ ما هي الأصوات التي يمكن أن تدخل قصيدة أحمد الستراوي، إلى أي مدى يسكنك هاجس الخصوصية الشعرية ؟
لم يخبروني عن صوت خرج مني ليس لي، ولست معنياً بذلك، النقاد الذين لا زالوا يسكنون الأبراج يستطيعون أن يأخذوك إلى شرفة تطل على الغابة، اقتطعي تذكرة مرور لأسوارهم الشاهقة، فقط أخبريني ماذا يُصدرون من فتاوى. 10_ في مشهدٍ يُكرس اسماء جيل المؤسسين ممن صنعوا حضوراً ثقافياً و اسعاً، كيف يمكن للجيل الجديد أن يشق طريقة بعيداً عن محاكاة التجارب السابقة بالشكل الذي يبتعد به عن خلق أفق جديد للتجربة الشعرية ؟
.
.
الجمعة, 21 ديسمبر, 2007
هناك عدة أحكام يستبطنها السؤال، منها حتمية التجييل واحتكار الصناعة الواسعة، مع ضرورة تأثر النصوص الحديثة بسابقتها، منذ تلقي النصوص الأولية، سواء ذلك من غناء الأعراس والطقوس الدينية، إلى المعلقات والقصائد الحديثة، كل ذلك يشكل خلفية للوعي واللاوعي، لماذا نحصر الأفق على النتاج المحلي أو الإقليمي أو العربي، أكثر الأنهار غزارة تصب في البحر، لكن البحر ضل مالحاً كأرض بلادي، هذه الحديقة تحمل أكثر من زهرة، كل زهرة لها رائحتها وشكلها، والأجمل أنها نبتت من أرض واحدة، ونحن نميل لأجملها، لكنها كلها زهور، كما أنهم كلهم شعراء مجازاً، فأيهم أكثر أخطاء؟ من كان منكم دون تفاحة فليرمني بحجر.
نشرت هذه المقابلة في ملحق الغاوون لأسرة الأدباء والكتاب بجريدة أخبار الخليج بمناسبة اليوم العالمي للشعر.
<<الصفحة الرئيسية
.
.








